فيلم «أبو صدام»… الهروب من الواقع إلى «بطولات خيالية»

تعد «أفلام الطريق» إحدى «الثيمات» الشهيرة في عالم السينما عالمياً وعربياً، لكنها تتميز بصعوبة شديدة، نظراً لطبيعتها الخاصة. أنت هنا تتحدث عن بطل أو اثنين في رحلة على الطريق السريع بين المدن تتخللها عدة استراحات عابرة، وبالتالي يكون «موقع التصوير» واحداً لا يتغير في معظم مشاهد العمل ما يفرض على الممثلين والمخرجين تحدياً من نوع خاص، إذ يجب ألا يتسلل الملل للمشاهدين، ولا يحد ثبات الحيز المكاني من حيوية وتدفق القصة.

إلى هذه النوعية ينتمي فيلم «أبو صدام» الذي يعرض حالياً بدور العرض المختلفة بمصر، ضمن موسم «رأس السنة» السينمائي، فهو يحكي قصة سائق شاحنة نقل ثقيل، يذهب في رحلة عمل من مدينة الدلنجات إلى بعض منتجعات الساحل الشمالي، الذي تقطنه فئة مرفهة ناعمة، تبدو مناقضة تماماً لشخصية السائق المغرقة في العنف والخشونة.

اختار الخيال الشعبي المصري اسماً دالاً لهذه النوعية من الشاحنات العملاقة هو «تريلا» تعبيراً عن ضخامتها ووحشيتها، وهو ما يبدو أنه انعكس على شخصية السائق «أبو صدام» الذي يمتلك مواصفات جسمانية خاصة، فهو شديد الطول والضخامة معاً، حتى أنه يطلق على نفسه لقب «ملك الطريق».

يختار «أبو صدام» مساعداً له أو «تباعاً» اسمه «حسن»، إنه شاب صغير يضطر إلى الاستماع طوال الوقت إلى بطولات السائق المزعومة وعلاقاته النسائية المتوهمة، وقدراته الخارقة في الإطاحة بأعتى الرجال في المعارك الكبرى، خلف هذا القناع من الأكاذيب، تتبدى الصورة الحقيقية لأبو صدام باعتباره شخصاً هشاً من الداخل، مهزوماً في الحياة، يعاني من مشكلات في علاقته الخاصة بزوجته.

يخرج السيناريو الذي كتبه محمود عزت من الطريق السريع والأحاديث بين البطلين عبر عدد من «الحبكات» الفرعية، حيث تنشأ أزمة مع إحدى نقاط التفتيش الأمنية، ويشتبك «أبو صدام» في معركة مع ضابط شرطة، كما يشارك البطلان في أحد الأفراح، ويتعرفان على راقصة جميلة لتأخذ الأحداث مساراً مختلفاً، وتصبح النهاية غير متوقعة.

أجاد الفنان محمد ممدوح في تجسيد شخصية «أبو صدام» على نحو لافت، حتى بدا وكأنه سائق شاحنة بالفعل، لذلك لم يكن مفاجئاً حصوله على جائزة «أحسن ممثل» عن هذا الدور من مهرجان القاهرة السينمائي في دورته الأخيرة، فيما بدا النجم الشاب أحمد داش مقنعاً في دور «التباع حسن»، بحذره وتوجسه تجاه السائق، فهو لا يريد أن يغضبه، كما لا يبدو مقتنعاً بمعظم حكاياته، وغزواته المزعومة. ويحسب للمخرجة نادين خان، ابنة المخرج الكبير الراحل محمد خان، تصديها لشريط سينمائي ينطوي على هذا النوع من التحديات، خصوصاً أنها تجربتها الأولى في الأفلام الروائية الطويلة، فلم تلجأ إلى «الخلطة» الشهيرة التي يعتبرها صناع السينما «مضمونة»، وتتمثل في نوعية «اللايت كوميدي» مع مطرب شهير أو كوميديان شعبي، وأغانٍ جديدة، مع أكبر عدد من وجوه الحسناوات على الشاشة.

من ناحيته، يؤكد الفنان محمد ممدوح، أنه تحمس للعمل بمجرد قراءة القصة التي كتبتها المخرجة نادين خان والنقاش معها، فالعمل ينطوي على تحديات مثيرة ومختلفة، ولا يسير في «سكة» الشائع والمكرر.

ويضيف ممدوح في تصريح خاص إلى «الشرق الأوسط»، قائلاً: «شخصية أبو صدام أرهقتني في الإعداد لها، حيث كان يجب عليّ تعلم قيادة الشاحنات في مختلف الأوقات ليلاً ونهاراً، ورغم أن الأمر كان صعباً في البداية، إلا أنه سرعان ما أصبح ممتعاً». ويستطرد بطل الفيلم قائلاً: «الأهم من قيادة (التريلا) فهم العالم السري لسائقي النقل الثقيل على الطرق السريعة، فهم يقضون أياماً عديدة على الأسفلت ويطبخون داخل الشاحنة، ولديهم قواعد صارمة مثل عدم تناول المشروبات الساخنة داخل كابينة القيادة، وقد استعنت بعدد منهم في الواقع حتى يمنحوني سر هذا العالم ويطلعوني على خباياه».