«بارانويا» .. مسلسل يحكي جنون الارتياب والعظمة

بشعره البني الفاتح الذي يغطي عينيه، ونظراته المشتتة تارة، والواثقة تارة أخرى، يطل علينا النجم قصي الخولي بشخصية جديدة يجسدها لأول مرة في مسيرته الدرامية في مسلسل “بارانويا” الذي يسلط الضوء على مرض جنون الارتياب أو جنون العظمة، يجسده بكل إتقان، فيظهر عليه القلق من جميع الناس حوله، وكأنه يعيش في جانب من حياته بلون قاتم، فلا يرى اللون الوردي والملون في علاقاته بالآخرين.
تشاركه البطولة ريتا حايك، النجمة اللبنانية بدور “ميلا” التي ظهرت بشخصية جريئة، تمشي بشعرها الأحمر شامخة الرأس، جريئة المظهر وحادة في لهجتها، عيناها تتكلمان قبل لسانها، وشخصيتها المختلفة ظهرت في أدائها، ورسخها الوشم الموجود على ظهرها، الذي يقول “أنا مختلفة”.
وثالثهم الممثل جنيد زين الدين في دور “وسيم” الذي كان يتنقل بخفة بين مشهد وآخر، أبدع في مشاهد الريبة والقلق، وبذل قصارى جهده في الأكشن، واختلس بعض المشاهد العاطفية التي ظهر فيها خجولا إلى حد ما.

ترويكا يبنون المسلسل

هؤلاء الترويكا بنوا مسلسلا قل نظيره في الدراما العربية التي بدأت تغرد خارج السرب، أحداثه تتمحور حول “قصي الخولي” الذي يجسد شخصية رجل موسوس يحمل اسم “وزير”، المصاب بمرض فصام الشخصية، الذي استغله عديد من الأشخاص حوله، ويستهدفه نتيجة لمرضه وتلفيق تهمة قتل 21 ضحية له، وذلك من قبل الذين كانوا يسرقون معه.

هل هناك جينات إجرامية؟

يدخل “وزير” السجن ويبدأ الطبيب النفسي الدكتور “رواد” الذي يجسد شخصيته الفنان الصاعد سعيد سرحان، وفي أول مقابلة تبدأ الأحداث بين رواد ووزير، الذي يعتقد أنه يقع تحت رحمة مرضه، الذي تسبب في اتهامه بقتل 21 ضحية، يلقي لقاؤهما الأول الضوء على حالة الطبيب النفسي، الذي تتراكم في داخله حالات نفسية صعبة جاءت نتيجة طفولة قاتمة، يتحدث عن الجريمة على أنها فعل وراثي، أي أن جينات إجرامية من الممكن أن تخلق مع الفرد، فرواد عاش طفولة كئيبة عندما رأى والده يقتل والدته أمام عينيه ثم ينتحر.

بين الماضي والحاضر

تتوالى جميع أحداث المسلسل بمشاهد مدمجة بين الماضي والحاضر، فتارة نكون عند “وزير” السوي العازف الموسيقي، وتارة أخرى عند إجرامه، ثم إلى السجن، وهكذا ينقل المخرج والكاتب أسامة عبيد ناصر المشاهدين، حتى إن استخدام اللوحات الثابتة وراء سيارة تمشي تذكرنا بأفلام فريد الأطرش وعبدالحليم حافظ، فكأنه من زمن الخمسينيات، يطرح قضية من الألفية الثانية، ما لا شك فيه أن هذا الأسلوب صعب للمشاهد أن يفهمه بسلاسة، فيحتاج إلى تركيز عميق.
تقول ريتا حايك بطلة المسلسل في حديث خاص مع “الاقتصادية”، “إن المسلسل تم إنتاجه لمنصة “شاهد” الرقمية، وهذه الأعمال التي بدأت تبث على المنصات الرقمية يستطيع فيها المشاهد أن يعود إلى الأحداث التي يتشتت فيها”، وذكرت أنه “من الجميل أن يشاهد الفرد مسلسلا يتحداه، تدور أحداثه بعيدا عن الإيقاع البطيء، يتخللها في كل مشهد عمق”، وأكدت أن المسلسل موجه إلى مشاهدي “شاهد”، ولديه فئة معينة من الشباب تتابعه، وهي فئة لا أعتقد أنها ستقف عند مشهد أو آخر.

بعيد عن الكلاسيكية

وعن واقعية المسلسل تقول حايك “إن المسلسل مأخوذ من الواقع، بعيد عن الكلاسيكية المعهودة في المسلسلات العربية، فهو يعكس الحياة التي يعيشها مجتمعنا بشكل يومي، هو مختلف في أسلوب طرحه وفكرته”.
وتطرقت إلى دورها في المسلسل وهو دور ميلا، الفتاة المجنونة والقوية والجريئة، التي توقد خطواتها النار التي في داخلها، تعود بالذاكرة إلى يوم عرض عليها العمل، فبدأت في قراءته ومع كل سطر تتحمس للمزيد، “وجدت الشخصية التي كنت أبحث عنها، لطالما طمحت لأن أؤدي دورا مليئا بالأكشن والمغامرة”، تصفه بأنه فيلم سينمائي مقسم إلى حلقات، وهذا ما يميزه.

حايك: قصي الخولي يشعرك بالقوة وأنت أمامه

تتنهد لسؤالنا حول وقوفها إلى جانب ممثل عريق مثل النجم قصي الخولي، وتصفه بأنه ممثل محترف، “قصي الخولي يشعرك بالقوة وأنت أمامه، يرفع إلى القمة، ثقته بنفسه تدفعك إلى إعطاء مزيد ومزيد، إنه فنان حقيقي بكل معنى الكلمة”.
تظهر خلال اللقاء كم هي متأثرة بشخصية ميلا، فبعد الانتهاء من المسلسل ذهبت لترسم وشم “أنا مختلفة” على جسدها، شعرت حايك بأن هذه الشخصية القوية التي لا تشبه أحدا هي شخصيتها، لكن رغم قوتها هي فنانة تنجرف بعواطفها وأحاسيسها، تقدم بكل جوارحها، وجاهزة للموت في سبيل الأشخاص الذين تحبهم.
وعن الإنتاجات المشتركة تقول حايك “يمكن وصفها بأنها رائعة، فهي التي ترفع من مستوى الأعمال من الجانبين السوري واللبناني، تؤدي إلى تبادل الخبرات، وهذا ما يؤدي إلى نجاح العمل عندما يكون مشتركا”، وأكدت أنها “لم تجد أي سلبية في الإنتاجات المشتركة، بل على العكس هي تقدم الخير إلى الجميع، وتدفع إلى نجاح العمل”.

ما بين “بارانويا” و”الفيل الأزرق”

عن العبرة من المسلسل لريتا حايك رأي مختلف “لا أحب العبر في كل خطوة وكل كلمة وكل حرف، ليس كل ما نمر به في الحياة يجب أن تنبثق منه العبر، فمن الممكن أن تكون أحداث تعكس معاناتنا، تأخذنا من واقع لتضعنا في واقع آخر مختلف، قد يكون جيدا وقد يكون سيئا، لكننا ننفصل عن العالم ونذهب في اتجاه آخر، وهذا هو مسلسل بارانويا”.
ولمسلسل مختلف مثل “بارانويا” لا بد أن تكون شارته مختلفة، ولقد جاءت مغايرة لواقع المسلسلات العربية، للوهلة الأولى ينفر منها المشاهد لتوقعه أن المسلسل يجب أن يحتوى على شارة هادئة ورومانسية، تحمل بين كلماتها معاناة المرض النفسي وعذابات المرضى، إلا أن الرياح جرت بما لا تشتهي السفن، فجاء التغيير من النواحي كافة.
مع الإشارة إلى أن النقاد على مواقع التواصل الاجتماعي وصفوا المسلسل بأنه استنساخ للمسلسل المصري “الفيل الأزرق”، الذي يرصد حياة طبيب نفسي مر بعدة مشكلات في حياته المهنية والشخصية، فبعد غيابه عن العمل لمدة خمسة أعوام، يعود من جديد للعمل حين يطلب منه كتابة تقرير عن مريض نفسي، ينصدم عندما يعلم أن هذا المريض هو صديقه القديم.